أبي طالب المكي
43
علم القلوب
لعمري لئن ضيعت في شر بلدة * فلست مضيعا بينهم غررا لكلم فإن فرج اللّه اللطيف بلطفه * وصادفت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم * وإلا فمحزون لدى ومكتتم فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم ويقال : إن إبراهيم بن أدهم دخل على بعض الخلفاء ، فقال : عظني يا إبراهيم ، قال : بماذا أعظك ؟ بالعلم أم بالحكمة ؟ قال : بالحكمة ، قال إبراهيم : إن مثلك كما قال القائل : نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما لا نرقع فقال الخليفة : أخرجوه عنى ، فجعلوا يرفعونه ، وهو يتمثل ويقول : نفسي يا نفسي إن تكلمت بالعلم والحكمة هجرك الجهال ، وإن تكلمت بالجهل والحماقة لامه العلماء ، فحصلت بين الضر والبلاء ، ثم أنشأ يقول : اتخذ اللّه صاحبا * ودع الخلق جانبا وتمسك بذكره * إن في ذكره الدوا وتلذذ بحبه * إن في حبه الشفا ثم سلم لأمره * وأرض عنه بما قضى وقال أبو طالب المكي في كتابه : إن من إزالة الحكمة أن ينطق الحكيم بها قبل أن يسأل عنها ، وأن يجيب عن كل ما يسأل عنه . كما قال ابن مسعود : من أجاب الناس في كل ما يسألون [ عنه ] فهو مجنون ، أي يحتاج « 1 » أن يكون الحكيم صاحب فطنة ، عليم ، يغرف لكل واحد منهم من بحره ، ويسقيه بكأسه ، ويكلمه بلسانه على مقدار فهمه وعقله ، ويزنه بميزانه ، فيظهر ما يمكن إظهاره ، ويخفى ما يحسن إخفاؤه . وقيل لبعض العارفين : من الحكيم ؟ قال : من وضع المرهم على موضع الجرح ، ويبط « 2 » الألم ، ويشد موضع الكسر ، ولا يسقى الشربة إلا لمن نظف بطنه واحتمى ،
--> ( 1 ) في الأصل : محتاج . ( 2 ) بططت القرحة شققتها .